نوافذ

الأربعاء 27 يناير 2021م - 14 جمادى الثانية 1442 هـ
نوافذ
ADS

نبي الرحمة .. لِمَ يُسيئون إليه ؟

ADS
كنت أعيش في ألمانيا إبَّان الموجة الأولى من الرسوم المسيئة لرسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه ، عام 2005م ،والتي تولى كبرها إحدى الصحف الدانماركية ، ثم حذا حذوها صحف أوربية أخرى . ولا زلت أذكر كيف انتفض المسلمون يومها في ألمانيا وغيرها –حتى ممن لم يُعهَد عنهم التزام جِدِّي بالدين وأحكامه - دفاعاً عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وقمنا بالتعاون مع كثير من الهيئات الإسلامية بإقامة فعاليات عدة في الذب عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ، والدعوة إلى معاقبة المتطاولين على مقامه الكريم.
وقد لاحظت وقتها ملاحظةً ،وافقني عليها كثير ممن كانوا يعيشون معنا في تلك الديار. كانت خلاصة تلك الملاحظة أننا مع علمنا أن الإساءة إلى الإسلام الحنيف ورسوله الكريم ومحاولة تشويه صورته هي ديدن أعداء الله منذ القدم ،وأنه لا يتوقع منهم إلا هذا .. إلا أنه يلاحظ أن تلك الإساءات إنما تكثر وتزداد في الأوقات التي يشعر فيها أولئك الحاقدون بقوة هذا الدين واستمراره ،رغم كل محاولاتهم للنيل منه والصد عن سبيله. وتذكرت يومها ذلك الربط القرآني بين قضية الصدع بالحق ،وقضية وجود أقوام يغيظهم ذلك الصدع بالحق ،فيعمدون إلى إلحاق الأذى بالدعاة إلى الله ، والإساءة إليهم بالاستهزاء وغيره  ؛وذلك في قوله تعالى : ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين )[ الحجر: 94-95 ] ، فالله تعالى إذ يأمر نبيه بالصدع بالحق ، يعلم أن ذلك الصدع لا بد أنه سيؤلب عليه أهل الباطل ، فيطمئنه بأنه سيكفيه أمرهم كما كفاه أمر قوم كانوا قد استهزأوا به من قبل .قال الإمام الطبري في تفسيره ( 17/ 154) : ( يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إنا كفيناك المستهزئين يا محمد ، الذين يستهزئون بك ،ويسخرون منك ، فاصدع بأمر الله، ولا تخَفْ شيئاً سوى الله ، فإن الله كافيك مَن ناصبك وآذاك ،كما كفاك المستهزئين .وكان رؤساء المستهزئين قوماً من قريش معروفين ) .
إن أبا لهب يوم أن قال لنبي الهدي : ( تباً لك سائر اليوم ،ألهذا جمعتنا ) ، فإنما قال ذلك لما صدع صلى الله عليه وسلم بالحق ،ودعا الناس إليه ؛حيث وقف على جبل الصفا ،وصاح منادياً بطون قريش : يا بني فهر.. يا بني عدي ،حتى اجتمعوا ، ...فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم ، أكنتم مصدِّقِيَّ ؟ قالوا : نعم ، ما جربنا عليك إلا صدقاً .قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) ،وحينئذ قال أبو لهب تلك المقالة الآثمة ،وأنزل الله تعالى : ( تبت يدا أبي لهب وتب * ما أعنى عنه ماله وما كسب ).[ أخرجه البخاري (4770 )ومسلم ( 208) عن ابن عباس رضي الله عنهما ].
وقد هلك أبو لهب وذهب إلى حيث يلقى ما توعده الله به من العذاب الأليم ، ولكنه خلَّف من بعده آباءَ لهبٍ كثيرين ،كلما سمعوا صوت الحق يعلو ثارت ثائرتهم محاولين تشويه صورة نبي الإسلام بالافتراءات والأباطيل . ولقد حكى لنا الذين سبقونا إلى بلاد الغرب من أبناء المسلمين أن بعض الساسة الأوربيين كانوا قد ذهبوا ذات يوم إلى بابا الفاتيكان السابق يبثونه قلقهم من تزايد أعداد المسلمين المقيمين في بلاد الغرب ،وما يشكله ذلك في نظرهم من خطورة على التركيبة السكانية ومن ثم على البنية الثقافية لأوروبا ،ويومها سألهم البابا : لِمَن سيكون أبناء أولئك المسلمين الوافدين ؟ فكان جوابهم : إنهم لنا بكل تأكيد ،فرد عليهم قائلاً : إذن فلِمَ الخوف والقلق ؛فالمهم هم هؤلاء الأبناء القادمون لا أولئك الآباء الذاهبون . أي أنهم كانوا يراهنون على ذوبان أبناء المسلمين المهاجرين إلى بلاد الغرب في مجتمعاتهم الجديدة وانسلاخهم من هويتهم الإسلامية .
لكن الرياح أتت في العقود الأخيرة بما لم يكن يشتهي البابا وأمثاله ؛إذ فوجئ القوم بتزايد نسبة المتدينين من أبناء المسلمين ؛بحيث صار من المألوف أن نرى فتيات محجبات يخرجن من أُسرٍ ربما لم تكن تعرف كيف تؤدى الصلاة .وقد مرت بنا حالات عدة من هذا القبيل ،ومن قبيل أن يأتي شاب من إحدى البلاد الإسلامية للدراسة أو الإقامة في بلد أوربي وهو لا يصلي ولا يعرف شيئاً عن الدين الذي ينتمي إليه ،فما يلبث إلا قليلاً حتى يكون من أهل الدين ورواد المساجد .بل مرت بنا حالات عديدة لفتيات أوربيات دخلن في الإسلام على غير رغبة أهلهن ،وارتدين الحجاب وصرن أكثراً تمسكاً به ربما من أخواتهن المسلمات اللاتي كن سبباً بعد الله تعالى في اهتدائهن للإسلام .
لقد عاد الإسلام يطرق أبوابهم . بل ويطأ أرضهم ،ويكسب في كل يوم مساحات كبيرة من عقول مثقفيهم وذوي الرأي فيهم . ولعل أقرب الأمثلة في ذلك قصة إسلام السيدة الفرنسية صوفي بترونين ، التي كانت مختطَفةً في مالي ، ولما أُفرِج عنها ووصلت إلى باريس تكلمت بكلامٍ كان بمثابة الصفعة على وجه ماكرون ،الذي كان في استقبالها بالمطار ، وذلك حين رحب بها منادياً إياها باسم صوفي ، ففوجئ بها تقول له : (كنتُ صوفي ،وأنا الآن مريم ، أنا مسلمة الآن ) . فبُهت الذي كفَرَ ، وألغى خطاباً كان قد قرر إلقاءه في المطار بهذه المناسبة.
إني أرى أن ذلك يسهم إلى حد كبير في تفسير تلك الهجمة الشرسة على الإسلام ونبيه الكريم ،والتي هي مِن أدلِّ دليلٍ على إفلاس أولئك القوم ،وعدم قدرتهم على مقاومة ذلك المد الإسلامي السلمي المبشر بالخير والبركة لأهل الأرض جميعاً .
وبعد : فلست أقصد من هذا أن أرسم صورة وردية غير صحيحة لواقع المسلمين في الغرب ،فلقد عشت هناك قرابة السنوات العشر ، وأعلم جيداً حجم التحديات والمخاطر التي تواجه المسلمين في تلك البلاد . وأنه برغم هذا الذي ذكرناه من ازدياد نسبة التدين بين أبناء المسلمين ،إلا أنه لا تزال نسبة غالبة منهم بعيدة عن الالتزام الديني . وقد أكد لي ذلك بعض تلاميذي من المقيمين في بلاد الغرب ،والذين تواصلت معهم مؤخراً لسؤالهم عن صحة ما ورد في تصريح لبعض المشايخ الرسميين في بلادنا ،من أن ما يقرب من خمسين بالمائة من أبناء المسلمين في أوربا ( من الجيلين الثاني والثالث ) ينتمون إلى تنظيم داعش . فكان جوابهم هو ما توقعته ،وهو أن ما يسمى تنظيم "داعش " كان قد نجح بالفعل في السنوات الماضية في استقطاب عدد كبير من أبناء المسلمين في أوروبا ، ولكن نسبتهم لم تصل أبدا إلى هذه النسبة التي وردت في ذلك التصريح ، ومع ذلك فقد ترك أغلب أولئك الشباب هذا التنظيم بعد هزيمته ، وتبيٌّنِهم عدم صحة أفكاره .
وعلى كل حال : فإنَّ رسالتي لإخواننا وأبنائنا في بلاد الغرب ،بل وفي العالم كله هي ألا تزيدنا مثل تلك الإساءات إلا تمسكاً بديننا ،ومحافظةً على ثوابته ،وعدم التفريط في شيء منها ،مع الحرص على حمل رسالة الإسلام الخالدة وتبليغها للعالمين .

عضو رابطة علماء المسلمين
 

إقرأ ايضا