الشبكة العربية

الإثنين 10 أغسطس 2020م - 20 ذو الحجة 1441 هـ
الشبكة العربية

الحبيب بورقيبة في ضيافة وحماية حسن البنا وجماعة الإخوان !


للتاريخ صفحات بالغة الغرابة عندما يطلع عليها جيل لم يعش وقائع وأحداث المرحلة التي حملتها تلك الصفحات ، نظرا للتناقض الكبير بين دلالات تلك الصفحات التاريخية والواقع الجديد الذي جرفت فيه الأحداث والصراعات والتحولات الكثير من معالمه وخصوصياته .
من تلك الغرائب ، العلاقة التي جمعت بين الحبيب بورقيبة ، رئيس الجمهورية التونسية ، عدو التيار الإسلامي ورمز العلمانية واللادينية في تونس ، والشيخ حسن البنا وغيره من قيادات جماعة الإخوان المسلمين المصرية ، والتي تصل إلى حد أن تكتشف أن جماعة الإخوان كانت الراعي الأهم للحبيب بورقيبة عندما اضطرته الأحداث للجوء إلى مصر في المرحلة الملكية ، وكان الإخوان ينفقون على بورقيبة في فترة هروبه لمصر ، ويوفرون له الإقامة والسكن والمؤتمرات واللقاءات ، وقد حمل بورقيبة هذا الجميل للإخوان فترة طويلة بعد أن خرج الاحتلال من بلاده وتولى هو السلطة كأول رئيس للجمهورية ، لدرجة أنه منح الجنسية التونسية لبعض قيادات الجماعة من المصريين ، بعضهم ما زال حيا حتى الآن .

وصل الناشط السياسي التونسي اللاجئي ، الحبيب بورقيبة الى القاهرة يوم 26 أبريل 1945 ، فكان أول من استقبله هو الشيخ حسن البنا ، مؤسس جماعة الإخوان ، وأقام بورقيبة - عند وصوله للقاهرة ـ في "لوكاندا الحلمية" ، التابعة لجماعة الإخوان المسلمين ، ليس هذا فحسب بل وتكفل الإخوان بتغطية مصاريف اقامته في القاهرة ، كما استضاف الإخوان أغلب الزعماء المغاربة والأفارقة ومن اندونيسيا في تلك الفترة .

جريدة الإخوان المسلمين خصصت صفحاتها في تلك الأثناء لتغطية نشاط الزعماء المغاربة ونشرت بلاغاتهم وندواتهم الصحافية ، وهم الحبيب بورقيبة من تونس وعلال الفاسي وعبد الكريم خطابي من المغرب والشاذلي المكي وعلي الحمامي من الجزائر ، وهم الذين أسسوا ما كان يعرف بمكتب المغرب العربي في القاهرة .

وكلف الشيخ حسن البنا السيد "عبود فودة"  ممثلا عن الإخوان المسلمين ليكون حلقة الوصل مع زعماء مكتب المغرب العربي وينسق معهم.
وكان الحبيب بورقيبة يحضر أغلب دروس الشخ الحسن البنا التي كان يقيمها كل يوم جمعة في مقر جمعية الإخوان المسلمين
كما زار حسن البنا مقر مكتب المغرب العربي 14 يونيه عام 1947 ليرحب بقدوم المجاهد المغربي عبد الكريم خطابي.
واحتضن مقر جمعية الإخوان المسلمين في القاهرة كافة اجتماعات الحزب الدستوري ، وهو الحزب الذي أسسه الحبيب بورقيبة ، وقاد به نضاله لتحرير تونس ، وطوال الفترة من سنة 1947/1949 ، كانت الاجتماعات التنظيمية والسياسية للحزب تتم في مقر الإخوان .
وعندما عقد المؤتمر التأسيسي لمكتب المغرب العربي في القاهرة ـ الممثل لقيادات تونس والجزائر والمغرب ـ من يوم 17 الى 22 من فبراير لعام  ، 1947 فإنه عقد في المركز العام لجمعية الإخوان المسلمين ، وتمثل في هذا المؤتمر الأحزاب المغاربية التحررية الثلاثة وهي :
الحزب الحرّ الدستوري (تونس)
حزب الشعب الجزائري
حزب الإستقلال المغربي

وكان بورقيبة يستعين بكوادر وكتاب الإخوان للتعريف بالقضية المغاربية ، فخطب بورقيبة جنبا الى جنب مع الأستاذ سيد قطب يوم 8 مايو 1947 في اطار الدعاية للقضية المغاربية في مقر جمعية الإخوان المسلمين ، وفق ما ذكره رشيد ادريس في كتابه (ذكريات مكتب المغرب العربي في القاهرة) وذلك في اجتماع نظمه حزب الشعب الجزائري احياء لذكرى مجازر فرنسا وذلك يوم 8 مايو 1945 وألقى ممثل الإخوان كلمة قال فيها: "إن الإخوان يضعون أيديهم في أيدي الأقطار العربية شرقية وغريبة عاملين على تحريرها من الغاصبين".
ويروي الشيخ أحمد حسن الباقوري ، أحد أبرز رمو جماعة الإخوان ، في كتابه "بقايا ذكريات" : "وقد كان في دار الإخوان بالحلمية على يمين الداخل جناح صغير أذكر أنه قد نزل فيه لفترة طويلة من الزمن الأستاذ المجاهد الحبيب بورقيبة رئيس الجمهورية التونسية الشقيقة".

وكان "بورقيبه" يحمل الجميل للأستاذ سيد قطب ، رحمه الله ، صديقه ورفيق مؤتمراته وخطاباته في القاهرة ، وعندما حكم عبد الناصر عليه بالإعدام ، حاول بورقيبة استخدام أي ضغط سياسي وإعلامي لحماية "قطب" من الإعدام ، ونشرت الصحف التونسية في الستنيات دفاعا مجيدا عن سيد قطب كمفكر مصري فذ ، وعلم من أعلام الإسلام والثقافة ، وساعد على ذلك خصومة عبد الناصر مع بورقيبه ، فاستغلها الحبيب أيضا للهجوم على عبد الناصر ونظامه .
وفي كتابه " مذكرات نصف قرن من العمل الإسلامي " ، يقول المرحوم الدكتور توفيق الشاوي : "خرجت من بيروت وذهبت إلى تونس عن طريق ألمانيا وكانت معي زوجتي. استقبلنا بورقيبة شخصيا في قصره وشرحت له القضية وقلت له إن هدفي هو إنقاذ سيد قطب لأني أخشى أن تنتهي المحاكمة بالحكم عليه بالإعدام وهو شخصية فذة ومفكر إسلامي لا يجوز أن يقضى عليه. ولما عرضت عليه القضية وجد أنها فرصة للتشهير بعبد الناصر والانتقام منه وأصدر أوامره للصحافة والحزب والبرلمان وكل من في تونس للدفاع عن سيد قطب وكان هذا الدفاع يأخذ في كثير من الأحيان صورة النقد والهجوم على الديكتاتورية الناصرية والاستبداد الناصري".

وحاول "بورقيبة" أن يرد الجميل للإخوان عندما انقلب عليهم عبد الناصر ، وتحولوا إلى لاجئين ، كما كان هو في الفترة الملكية ، فقام بمنح الجنسية التونسية لبعض قياداتهم الهاربة خارج مصر ، ومنهم الأستاذ يوسف ندا ، وعلي غالب محمود همت.
 

إقرأ ايضا