الشبكة العربية

السبت 26 سبتمبر 2020م - 09 صفر 1442 هـ
الشبكة العربية

التنظيم الطليعي في عهد عبد الناصر ونتائجه المدمرة للدولة


منذ إنقلاب الضباط " الملكيين "  في مصر في يوليو " تموز " 1952 وهم لم يهتدوا إلي نظام في الحكم ؛ يمنع توالي الفشل والنخر في بنيان الدولة المصرية ، وكذلك لم يكن لهم تنظيم سياسي حقيقي ؛ ينظم الجماهير ويستفيد من حشدها ، ومن تفاعلها الوطني في خدمة الدولة المصرية ؛ وكانت كل التنظيمات الأربعة التي كونها عبد الناصر طوال عهده ؛ وهي : هيئة التحرير ؛ ثم الإتحاد القومي ؛ ثم الإتحاد الإشتراكي ؛ ثم التنظيم الطليعي السري ؛ كانت كلها ؛ هي تنظيمات هشة ؛ حتى أن تنظيمه الأخير الأكثر سلطوية وكان شبيها بتنظيم "الجستابو " الألماني النازي ؛ كان خليفة "عبد الناصر"  في الحكم بعد وفاته الرئيس "أنور السادات " ؛ قد استطاع القضاء على هذا التنظيم وتفكيكه وحله وسجن رموزه المؤثرين في أقل من 18 ساعة بدأت بتنحية "شعراوي جمعة" وزير الداخلية وأمين عام التنظيم الطليعي عن منصبه في مساء يوم  الخميس 13 مايو "آيار " 1971 وقبل ظهر يوم الجمعة 14 مايو " آيار " كان هذا التنظيم الفاشستي الذي عكف عبدالناصر علي تكوينه في 7 سنين ؛ كان هذا التنظيم بضربة واحدة من الرئيس السادات ؛  قد ذاب وسقط ؛ وكان بعض ممن أسقطوا هذا التنظيم مع "السادات " هم من أعضاء هذا التنظيم البوليسي ذاته ؛ ولم يكن هذا يعبر عن قوة السادات الخارقة ؛ بل كان ذلك لأن تنظيم عبد الناصر ( تنظيم طليعة الاشتراكيين ) اسما علي غير مسمي ؛ فقد كان يضم مثلا : محمد حسنين هيكل وعباس رضوان  وسيد مرعي  وسامي شرف وعلي صبري وعبد العزيز حجازي وأحمد الخواجة وعلي نور الدين  ( النائب العام ) وهي أسماء لم تكن تعتنق الفكر الإشتراكي ؛ بل أنها كانت تناقضه وتحاربه في سلوكها الخاص ؛ كما كان التنظيم الطليعي يضم أسماء من تيار اليسار ؛ ولكنهم كانوا علي قدر كبير من الإنتهازية وكانوا نفعيين وموظفين كتبة للتقارير وقد ضمت هذه النوعية أسماء مثل : خالد محيي الدين ورفعت السعيد ومحمود أمين العالم وعلي الشلقامي وأحمد حمروش .
وكان أغلب أعضاء هذا التنظيم  30000 (ثلاثون ألف عضوا تابع ) من الانتهازيين الذين تم انتقائهم لمسعاهم الشخصي للتقرب من قمة السلطة ؛ وقد قبلتهم السلطة على فسادهم وانتهازيتهم وتدني مستواهم المهني ؛ بل وحقارة تصرفات البعض منهم ؛ والذين تم إتمام عمليات السيطرة المخابراتية والبوليسية عليهم ؛ بنقاط الضعف التي فيهم والشذوذ والفساد والوصولية التي تميزهم ؛ والنهم في التمتع بالمزايا التي تجلبها لهم وتحققها من أجلهم قمة التنظيم الطليعي .
وعلى هذا كان التنظيم الطليعي إلي جانب بعض المخلصين والوطنيين ؛ يضم لفيفا من الشواذ والقواديين السياسيين والإنتهازيين الذين لا يتورعون عن فعل أي شيء لإثبات الولاء ؛ وينبطحون للمستوي الأعلي ويتملقونه ؛ ويضرب بعضهم بعضا ويكتبون تقارير الوشايات في المقربين ؛ حتى ديست الكرامة الإنسانية والوطنية .
وكان من ملامح الشذوذ السياسي والإنساني في نشأة هذا التنظيم السري الذي صنعه "جمال عبدالناصر" وهو في قمة السلطة ؛ أن كتابة التقارير السرية كانت هي أهم نشاط أعضاء التنظيم الطليعي ؛ فلائحة التنظيم نصت علي ذلك صراحة ؛ فعلي العضو "أن يتقدم بالتقارير في مختلف المسائل إلي مستواه وإلي الهيئات الأعلي بما فيها اللجنة المركزية خلال مستويات التنظيم" .
ويصنف الدكتور "حمادة حسني"  في دراسته " عبد الناصر والتنظيم الطليعي "  والصادرة في كتاب في عام 2007 في ص 20 و 21 طبيعة عضوية التنظيم وطبيعة أعضائه ومهامهم في كتابة التقارير وجمع المعلومات قائلا : " عموما فقد كانت هناك ثلاث مجموعات كبيرة داخل التنظيم الطليعي هم من أنشط كتاب التقارير : المجموعة الأولي وهم الماركسيون الذي تم الإفراج عنهم في أواخر عام 1964 وعلي رأسهم " محمود أمين العالم " ( تم تعيينه رئيسا لمجلس إدارة أخبار اليوم ) . والمجموعة الثانية وهم من عرفوا باسم " القوميين العرب " وكان يقودهم " سمير حمزة " . والمجموعة الثالثة وهم الرواد الذين تم تكليفهم ببناء منظمة الشباب عام 1965 وانضموا بعد ذلك للتنظيم الطليعي وعلى رأسهم " عبد الغفار شكر " والأخير كان على رأس وفود الشباب الذاهب إلي الإتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية وقبرص لتدريبهم على التصدي للقوى المناوئة للثورة "  .
وبوجود التنظيم الطليعي فإن الحاصل أن الرئيس "جمال عبد الناصر" ومنذ عام 1962 كان يحكم الدولة المصرية من خلال تنظيم مخابراتي صارم ؛ متغلغل في كل أجهزة السلطة يحكمها ويديرها ويوجهها ؛ وكان هذا التنظيم مستوحي من التجربة الأمنية في يوغسلافيا ( في عهد بروز جوزيف تيتو )  ومن تجربة الديكتاتور البرتغالي " ساليزار " . وكان أمين التنظيم هذا في مصر  " شعراوي جمعة " ضابط الجيش والمخابرات العامة . في حين أن رئيس التنظيم السري هذا نفسه هو " جمال عبد الناصر " رئيس الجمهورية والقائد الأعلي للقوات المسلحة وهو أيضا رئيس الإتحاد الإشتراكي العربي ؛ الذي هو الكيان السياسي الظاهر ؛ والذي يتحكم فيه تنظيم طليعة الإشتراكيين ( التنظيم الطليعي ) .
في نظام عمل هذا التنظيم السري ؛ كانت كلمة التنظيم الطليعي الآمرة والتوجيه الصادر عنه ؛ هو توجيه "عبد الناصر " ولكن كان الذي  يصوغه ويتحكم فيه هو سكرتارية عبد الناصر للمعلومات ( مخابرات رئاسة الجمهورية ) والتي كان الرجل الأول فيها هو " سامي شرف وثيق الصلة بالمخابرات السوفيتية ال K . G.B وكان الرجل الثاني في هذا المكتب وبمثابة المدير الفني ونائب سامي شرف هو السيد " منير حافظ " .
وقد كانت كلمة التنظيم الطليعي ؛ وفق الوضع الهيكلي هذا فوق الكل في السلطة ، وفوق الكل في مؤسسات الدولة وفي أجهزتها الأمنية وكذلك في الصحافة والإعلام ووزارة الخارجية وأيضا في المؤسسة العسكرية .
وكانت العلاقة في هذا التنظيم السري في الدولة ؛ يعبر عنها تياران : الأول هابط من أعلي إلي أسفل والذي يصاغ في شكل توجيه يصدر من مكتب "سامي شرف" إلي كل قيادات التنظيم ، وكان التيار الثاني عكس اتجاه الأول ؛ صاعد من أسفل إلي أعلي ؛ وهو عبارة عن تقارير التجسس وجمع المعلومات والتي يقوم بها كل أعضاء التنظيم بلا إستثناء ؛ كل يتجسس ويجمع المعلومات ، ويرفع بها تقارير إلي المستوي الأعلي ؛ فالأعلي ؛ حتي تتجمع هذه التقارير مرة أخري ؛ في مكتب "سامي شرف" ؛ ليتولي صياغتها في تقرير عرض خاص يقدمه إلي "جمال عبدالناصر " وكان يحكم هذا العرض الخاص من "سامي شرف" علي الرئيس عبدالناصر ؛ تلك العلاقة السرية التي كانت تربطه بالمخابرات السوفيتية وكذلك طبيعة شلة المصالح الشخصية والعائلية والنفعية التي كونها "سامي شرف" ؛ منذ أصبح في سكرتارية "عبدالناصر" في أبريل "نيسان " 1955 .
كان الكل في التنظيم الطليعي يقدمون تقاريرهم ؛ الكل بلا إستثناء ، وكانت المحصلة أنه عندما تم إلقاء القبض علي " سامي شرف " في يوم الجمعة 14 مايو " آيار " 1971 ؛ علي ذمة الإشتراك في مؤامرة الإنقلاب ضد السادات ؛ فقد كان حصيلة التقارير وعددها والتي تم التحفظ عليها ضمن المحتويات التي تم التحفظ عليها وضبطها في "أرشيف منشية البكري" وفي مكتب "سامي شرف "  في قصر القبة وفي مكتبه في مبني الإتحاد الإشتراكي علي كورنيش النيل في ميدان التحرير ؛ كانت المحصلة مذهلة والتقارير بالآلاف ؛ ولم يفقد منها إلا القليل بعدما فوض الرئيس السادات "هيكل " بالإطلاع علي هذه الملفات السرية والشديدة السرية ، وقد سرق "هيكل " من هذه الملفات الكثير من الأوراق الخطيرة ، كما سرق منها الكثير من تقاريره التي كتبها بخط يده وقدمها إلي آمانة التنظيم الطليعي ، ولكن بقي أيضا بعض من هذه التقارير التي كتبها " هيكل " والتي رصدناها ومنها :
- تقرير في 22 مارس "آزار " 1965 بشأن قيام الأمير الكويتي " دعيج السلمان الصباح ؛ بتهريب نقد مصري للخارج .
- تقرير في 13 يوليو "تموز " 1965 بشأن شخص شيوعي يدعي " ادوار يونان " .
- مجموعة تقارير بشأن القبض علي الكاتب الصحفي " مصطفي أمين " بعد إلقاء القبض عليه في يوم الثلاثاء 20 يوليو " تموز " 1965 .
- تقرير حول الخلاف بين "محمد حسنين هيكل " نفسه وبين "خالد محيي الدين " ؛ كتبه "هيكل " في 27 ديسمبر "كانون الأول " 1965 .
- تقرير مفصل حول موقف المملكة العربية السعودية ؛ من اليمن ؛ وكذلك موقف إيران .
- تقرير قدمه "محمد حسنين هيكل " في 21 مارس " آزار " بشأن اختلاسات من أموال شركة النيل العامة لأتوبيس شرق الدلتا .
كان "هيكل " أحد المؤسسين مع جمال عبد الناصر في تأسيس التنظيم الطليعي ؛ و قد شكل خلية في التنظيم الطليعي ؛ وكانت أحد الخلايا الهامة والمؤثرة والمستهدفة لمصالح ترتبط بوضع "هيكل" المميز كأحد مستشاري الرئيس ؛ وكانت الخلية تضم : نوال المحلاوي سكرتيرة هيكل ومديرة مكتبه ، ولطفي الخولي والدكتور محمد الخفيف وإبراهيم سعد الدين .
وفي قضية الإدعاء بتجسس الكاتب الصحفي الراحل " مصطفي أمين " كان "هيكل " حاضرا بنفسه وبخليته في التنظيم الطليعي وبالوضع الخاص الذي أصبح عليه "هيكل " بعد تأميم الصحافة في مايو " آيار " 1960 ؛ ثم بالوضع الشاذ الذي أصبح عليه "هيكل" بعدما أصبح رئيسا لمجلس إدارة مؤسستي "الأهرام " و " أخبار اليوم " في نفس الوقت !! .
في هذه القضية "المصنوعة" فقد كان "هيكل" أحد الحلقات التي أجهزت علي " مصطفي أمين " وقد شاركت " خلية هيكل " بالعمل الأهم في هذه القضية وهو إخراج القضية للجمهور عامة ؛ وكذلك إقناع أفراد التنظيم الطليعي بأن مصطفي أمين مدان ؛ ليصبح بعد ذلك أفراد التنظيم ؛ هم الملقنون لسائر الجمهور المصري والعربي .
وقد صنع " هيكل " بالإشتراك مع "سامي شرف " هذه الإدانة ل مصطفي أمين ؛ منذ اليوم الأول لنشر خبر غامض عن القضية في صباح يوم الخميس 22 يوليو "تموز " 1965 مستبقين أي تحقيقات أو استجواب أو مواجهة مع المقبوض عليه"مصطفي أمين "  وقد جاءت نشرة التنظيم الطليعي التي اشترك فيها هيكل و"سامي شرف" علي النحو الآتي :
نشرة خاصة
الطليعة الإشتراكية
بتاريخ 22 يوليو 1965
" نشرت الصحف صباح اليوم خبر القبض علي السيد / مصطفي أمين في قضية هامة ولم تشر إلي أية تفاصيل ، والحقيقة أن هذه القضية تمثل خيانة الرجعية وتحركها في بلادنا ، فإن مصطفي أمين كان موضوعا تحت رقابة المخابرات العامة منذ مدة طويلة نتيجة لاتصالاته المريبة ، وكان من نتيجة هذه المراقبة أن اكتشفت المخابرات الآتي : -
1- أن مصطفي أمين كان يعقد اجتماعا أسبوعيا مع ممثلي المخابرات الأمريكية في القاهرة ؛ وكان يقدم إلي المخابرات الأمريكية خلال هذه الإجتماعات تقارير أسبوعية ( لم يحدث ولا مرة واحدة أن قدم "مصطفي أمين" مثل هذه التقارير المزعومة .  ) عن الأحداث اليومية في البلاد ويتلقي منها تعليمات لتنفيذها .
2 - جميع التقارير التي قدمها ؛ وكذلك التعليمات التي أعطيت له ، كانت كلها ضد مصلحة الدولة وأمنها . ( لم يتلقي مصطفي أمين تكليفات من ضابط المخابرات الأمريكية "بروس أوديل تايلور " . )
3 - جميع هذه الإجتماعات نجحت المخابرات في تسجيلها وهي موضوعة بين يدي  القضاء . ( لم تحل القضية إلي القضاء إلا بعد هذا التاريخ بشهور ؛ حيث ظل "مصطفي أمين " رهن الإعتقال في سجن المخابرات العامة . )
4 - ثبت أنه كان يتقاضي أجرا عن أعماله هذه ، وكانت المخابرات الأمريكية تحول هذه النقود باسمه في الخارج . ( هذا كذب تام فلم يتقاضي "مصطفي أمين" أمولا من رجل المخابرات الأمريكية ؛ ولكن جرم "مصطفي أمين" الوحيد ؛ أنه أعطي لرجل المخابرات الأمريكية 15 ألف جنيها مصريا لتهريبها للخارج في حساب له ببيروت . )
5 - كان كثيرا ما ينسب أقولا إلي سيادة الرئيس علي أساس له من الصحة ( هكذا في الأصل ) .
6 - كان اتجاهه هو استعداء الأمريكان علي الجمهورية المتحدة .
وقد كلف في آخر تعليمات تلقاها من المخابرات الأمريكية بأن يقدم تقريرا عن الوضع في اليمن وأن يحاول معرفة ما سوف يتناوله الرئيس في خطابيه في 22 ، 26 يوليو ؛ كذلك أن يبلغ عن تفاصيل الحالة في البلاد في تقارير تفصيلية .
"كل هذا يرسخ في أذهاننا درسا نحن أعضاء التنظيم يجب أن نعيه وأن نتحرك بسرعة فإن الرجعية سوف تتحرك تأييدا لعميل رجعي ونحن يجب أن نتحرك لنقضي علي محاولات الرجعية بأن نوضح موقف العملاء ونكشفهم للرأي العام وهاهي الحقائق بين يدي أفراد التنظيم حتي نكذب ما قد تثيره الرجعية " .
كانت نشرة التنظيم الطليعي الناطقة باسم النظام السري الحاكم في مصرى ؛ كاذبة ؛ وكاشفة لهشاشة النظام الذي أعدها ؛ كما كانت تدين كل من شارك في صنعها ؛ وتدين بشدة شخص "محمد حسنين هيكل " صانع الدعاية السياسية في نظام عبد الناصر ؛ فكما سنكشف فإنه لم يكن هناك قضية من الأساس .




 

إقرأ ايضا