نوافذ

الخميس 25 فبراير 2021م - 13 رجب 1442 هـ

إدارة أزمة كورونا.. نموذج المملكة العربية السعودية

سـأطرح عليك هنا محاور متعددة تتعلق بادارة المملكة العربية السعودية لأزمة جائحة كورونا، وأترك لك الحكم على التجربة القادمة من عمق عالمنا العربي:  
أولاً: كان ومازال الوقت عاملًا حاسمًا في إدارة المملكة للأزمة. من يدير الأزمة يدرك أن بعض الأزمات تتحول إلى كوارث في أيام أو ساعات وأحيانًا في دقائق معدودات. في الأيام الأولى للأزمة وفي يوم هام ومؤثر للغاية في إدارة الأزمة منسوبو جامعات سعودية تلقوا رسالة فجرًا على هواتفهم المحمولة تفيد بالغاء إختبارات منتصف الفصل الدراسي الثاني والتي كان مقررًا لها أن تبدأ في الصباح الباكر من هذا اليوم. هذا يعني أن مسؤولين يتحملون مسؤولياتهم ظلوا مستيقظين حتى الفجر ليتخذوا قرارًا كان مؤثرًا للغاية في مواجهة المؤسسات التعليمية والمجتمع بصفة عامة للأزمة. سيظل هذا القرار نموذجًا في علاقة إدارة الوقت بادارة الأزمة.  
ثانيًا: المعلومات هي الدم الذي يجري في هيكل إدارة الأزمة، والتواصل هو الشريان والوريد . منذ اليوم الأول للتعامل مع الأزمة ستضبط ساعتك على ظهور المتحدث الرسمي لوزارة الصحة ليدلي بمعلومات وتوجيهات تهم الجميع وبطريقة رائعة ومشهودة وبنموذج رائع في دفء التواصل مع الناس. المتحدث الرسمي يحذر ويطمئن ويوجه، ويظهر كل يوم في الساعة الثالثة ونصف عصرًا، وكل يوم لديه جديد ومفيد. منذ الظهور الأول للمتحدث الرسمي ستشعر وكأن حربًا قد بدأت ضد فيروس لا يرحم المتهاونين والمقصرين في حقه، وستشعر بحديث المتحدث الرسمي كل يوم وكأنه بيان حرب.  
ثالثًا: وعي الناس هو حائط الصد الأول في مواجهة الأزمات. وعي الناس لايصنعه الناس، وعي الناس مهمة المسؤولين عن إدارة وتوجيه الناس. حملة دعائية مكثفة ومتنوعة الأساليب تنطلق في الاعلام وعلى وسائل التواصل وفي المؤسسات وفي الشوارع. حملات تستهدف عواطف الناس وعقولهم، ويدرك مخططوها ومنفذوها أن الناس تحركها عواطفها أكثر مما تحركها عقولها. إعلانات تتعامل مع التفاعل الاجتماعي والذي هو من أهم خصائص مجتمعاتنا العربية، مجتمعات ينفذ فيها الفيروس من باب التفاعل والتواصل بين الناس. إعلانات تصور في مشاهد تضرب على أوتار القلوب الضرر الذي يمكن أن يلحقه الصغير بالكبير بسبب فيروس لا يعترف بحسن النوايا. آخر حملة تم تنفيذ منذ أسابيع شعارها " عيونك تكفي " ، صور لأشخاص ذكور وإناث من أعمار مختلفة يرتدون الكمامات وابتساماتهم تظهر في عيونهم.  
رابعًا: في الوقت المناسب والحرج تم فرض حظر التجول. إختلفت توقيتات الحظر باختلاف المناطق ومدى إنتشار كورونا فيها. كان الحظر مخططًا وموجهًا بالمعطيات. في الحظر لا مجال للتهاون، التهاون يعني غرامة كبيرة تثقل كاهل صاحبها وتجبره على التفكير كثيرًا قبل كسر الحظر ، ولا تنفع الندامة بعد الغرامة. وهذا  ينطبق على أماكن التجمعات في غير أوقات الحظر، ساعات كان يجلس فيها بعض الناس للترفيه تظهر فيها سيارات الأمن ينطلق منها صوت مرتفع وحازم يطلب التباعد ويلزم بالمغادرة الفورية مع إقتراب بداية وقت الحظر.  
خامسًا: المسحة مجانًا ومتاحة في مواقع كثيرة في المدن الصغيرة والكبيرة، ولا يوجد مشكلة في أن تذهب لعمل المسحة في كل مرة تريد أن تطمئن فيها على نفسك، ستصلك النتيجة بعدها بأربع ساعات، إذن عندما تشعر بأعراض المرض توجه للموقع واطمئن على نفسك أو إعزل نفسك قبل فوات الأوان. هنا أحد أهم إجراءات مواجهة كورونا وحصارها، ولا مجال هنا للحديث عن تكلفة فتكلفة عدم إتاحة المسحات سيأتي يومًا ويفوق تكلفة إتاحتها.  
سادسًا: الاغلاق في المملكة مع العالم المحيط دائمًا يأتي في توقيته المناسب ، تنام والحدود مفتوحة تستيقظ على إغلاقها ! الاغلاق الأخير حدث مع ظهور النسخة الجديدة لكورونا. تخرج الطائرات من مطارات المملكة تحمل المسافرين وتعود بلا مسافرين، طاقم الطائرة محظور عليه النزول من طائرته في أي مطار يهبط فيه. أما القادمين من الخارج فدائمًا الاجراءات معهم حازمة ومخططة وآمنة ومريحة في ذات الوقت.  
سابعًا: ممنوع دخول أماكن الشراء أو أماكن العمل دون إرتداء كمامات ودون قياس الحرارة، ونسيت أن أخبرك أن السلام باليد أصبح من الذكريات عند أكثر الناس.. والعيون تكفي.  
ثامنًا: التكنولوجيا تفرض نفسها في الرخاء وفي الشدة، وإستثمار التكنولوجيا عامل حاسم في وقت الأزمة، تطبيقات متنوعة أطلقتها وزارة الصحة السعودية إشتملت على كافة عناصر التعامل مع المرضى والمشتبه في حالاتهم وغير المرضى والمخالطين والقادمين من السفر..الخ. وآخرها هو " الجواز الصحي " والذي يستهدف التأكد من إستكمال صاحبه لجرعات اللقاح. حركة تتبع ومتابعة وتقييم وتوجيه غير مسبوقة في المجال الصحي.   
تاسعًا: المساجد فتحت أبوابها بعد فترة إغلاق لم تطول، عاد المصلون ولكن معهم سجادات الصلاة، وإذا نسوها – وغالبًا لن ينسوها - سيجدون في كثير من المساجد سجادات خفيفة للاستعمال مرة واحدة، وهناك مسافة تفصل بين المصلين وهناك علامات تضبط المسافات. وقبل صلاة الجمعة يقف خادمو بيوت الله على أهبة الاستعداد لتنظيم المكان وتنظيم المصلين، أما تنظيم الحركة في الحرمين المكي والمدني في العمرة وفي الحج فشاهدها ويشاهدها العالم كله على الشاشات.  
عاشرًا: حزمة قرارات إقتصادية متنوعة لدعم الشركات والمؤسسات والأسر والأفراد، لن أزعجك بتفاصيلها، وحتى لا أترك لك فرصة لتتحدث عن الامكانيات المادية وتأثيرها في مواجهة الأزمات وأنا الذي أسعى لاقناعك بأن الأمر لا يتعلق بماديات بقدر ما يتعلق بتحمل المسؤولية.  
أحد عشر: الأطباء والطواقم الطبية هم الجنود في الميدان وعلى خط المواجهة، دعمهم ماديًا ومعنويًا يعني الكثير في مواجهة هذه الأزمة. وكان القرار: صرف مبلغ مقداره نصف مليون ريال لذوي المتوفى بسبب فيروس كورونا، القرار ينطبق على العامل في القطاع الصحي الحكومي أو الخاص، مدنيًا كان أم عسكريًا، وسعوديًا كان أم غير سعودي، والقرار يسري بأثر رجعي ومن تاريخ تسجيل أول إصابة بالفيروس.  

إثنا عشر: الحصول على كميات كبيرة من اللقاح ووضع خطة متدرجة لتعميمه على الجميع وباعتبارات متعددة ومنطقية، والصور المحفزة تعرض حصول فئات متنوعة على اللقاح بداية من ولي العهد مرورًا بوزير الصحة وصولًا إلى المواطن والمقيم.  
ربما نسيت أو جهلت محاور أخرى في إدارة المملكة للأزمة لكن أعتقد أن المحاور المذكورة تكفيك للحكم على تجربة يصفها البعض بالعالمية ويمكن إختصارها في كلمة واحدة: المسؤولية .  

د. عبدالله ظهري  
Facebook: elbarjal  

إقرأ ايضا

الانسان 22-02-2021 12:35 م

عمود أسمنت 30-01-2021 06:50 م

خيبة ثقيلة !! 22-01-2021 10:23 م